قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة
اضغط زر "حفظ" في آخر الفصل لتحتفظ به في مكتبتك وتقرأه وقتما تحبتنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: ما تبقى لدي
الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة: رانيا الخولي
الفصل: الثامن عشر
تم النشر: يوم الثلاثاء
30/6/2026
بمجرد إغلاق باب الغرفة التفتت نادين لتاليا وسألتها بنبرة مباشرة
_ تاليا ماذا بكِ لما كل ذلك الشرود هل مازلتِ تفكرين به؟
ارتبكت تاليا ونفت بسرعة مبالغ فيها
_ لا طبعاً يا نادين مش بفكر فيه بالمعنى اللي في بالك أنا بس خايفة.. خايفة يكون وراه حاجة مش كويسة أو وجوده هنا يسبب لنا مشاكل إحنا في غنى عنها.
نظرت نادين في عينيها بعمق وقالت بحزم
_ لو خائفة حقًا فـ الأفضل ان تذهبِ لعمي وتخبريه بكل شيء هو الوحيد الذي يعرف كيف يحميكِ
شحب وجه تاليا وقالت بذعر
_ لا.. مستحيل مينفعش أقول لبابا هيفتكر إني.. إني مهتمة بيه أو في حاجة بيني وبينه وإنتي متعرفيش بابا في الأمور دي ميهزرش.
هزت نادين رأسها بأسى وقالت بحكمة
_ لا يوجد حل آخر تاليا لابد ان تهبريه اليوم قبل غد
إذا اردتِ ذهابي معاك لا امانع
لكن الأفضل ان تذهبي وحدك لا يظن أنني من اجبرك على الاعتراف.
نظرت تاليا لنادين بذهول واستغربت من رجاحة عقلها وقدرتها على تحليل الأمور بهذه الدقة، وسألتها بعفوية
_ نادين إنتي إزاي بالعقل ده؟ إزاي بتفكري كدة مع إنك عشتي حياتك كلها في الغرب والمفروض تكوني منفتحة أكتر أو مش مهتمة بالتفاصيل دي؟
ابتسمت نادين ابتسامة حزينة وقالت بنبرة يملؤها الشجن
_ الحياة التي عشتها يا تاليا كانت أصعب من تخيل أي بشر الغربة علمتني إن الغلطة الواحدة ممكن أن تدمر عمر كامل، والفقر علمني إن الأمان أغلى من الدهب لذلك احاول لأن أحافظ على كل حاجة جميلة دخلت حياتي.. إنتِ تملكين عائلة جيدة وأب بيحبك، وبيت دافي لا تدمري كل ذلك من غير ما قصد بسبب سر مخفي.
تأثرت تاليا بكلمات نادين وشعرت بأنها أمام امرأة صقلتها الأيام ولم تكسرها أخذت نفساً عميقاً وأومأت برأسها بالموافقة
_ عندك حق يا نادين.. هروح لبابا النهاردة وأحكي له كل اللي حصل، مهما كانت النتيجة.
احتضنتها نادين بقوة، وشعرت بأنها بدأت تؤدي دورها كأخت كبرى في هذه العائلة تحمي بصيرتها من عثرات الطريق التي خبرتها جيداً في الماضي.
❈-❈-❈
أغلقت تاليا باب الغرفة خلفها بخطى مترددة لكنها مصممة تاركة نادين تقف وحدها وسط الغرفة تتنفس الصعداء وكأنها أزاحت جبلاً عن كاهل تلك الفتاة الصغيرة
لم تمر دقائق حتى سمعت طرقات واثقة على الباب طرقات تعرف إيقاعها جيداً، فهو الوحيد الذي يطرق باب قلبها قبل باب الغرفة.
انفتح الباب ليطل منه تميم وكان القلق يكسو ملامحه الرجولية وعيناه تبحثان عنها بلهفة لم يستطع إخفاءها أمام الجميع بالأسفل
خطا نحوها بخطواته الهادئة وسأل بصوت منخفض يملؤه الحنان
_نادين إنتي لسه تعبانة؟ خفت لما شوفتك طلعتي فجأة وشك كان شاحب والوجت لسه بدري على دواكي.
ابتسمت نادين له ابتسامتها الخاصة تلك التي تشرق له وحده كشمس الشتاء الدافئة
هزت رأسها ببطء وقالت بلغة عربية فصحى رصينة لكنها كانت تقطر عذوبة هذه المرة
_أنا بخير يا تميم لا تقلق لست متعبة كما ظننت.
عقد تميم حاجبيه بعدم تصديق واقترب منها أكثر حتى باتت أنفاسه تداعب خصلات شعرها التي بدت متوهجة تحت ضوء الغرفة
_أومال ليه أصريتي تطلعي؟ لو حاسة بأي حاچة تانية أجول ليامن يكلم حنين تيجي فوراً تشوفك إحنا مش هنخاطر بصحتك واصل.
قطعت نادين سيل قلقه بأن وضعت يدها الرقيقة على ذراعه وهي تهز رأسها بابتسامة هادئة
_أقسم لك أنني بخير كل ما في الأمر أنني أردت التحدث مع تاليا قليلاً، كنا نتشاور في أمر هدية زفاف مميزة تليق بحنين ويامن وأردت أن يكون الأمر سراً بيننا.
صمت تميم للحظة وتلاشت نظرة القلق ليحل محلها مزيج غريب من الإعجاب والذهول، كان ينظر إلى عينيها الزرقاوين وكأنه يكتشف فيهما أعماقاً جديدة كل يوم
مد يده ببطء وأمسك بكفها الصغير الذي لم يعد يرتجف كما كان في السابق رفع يدها نحو وجهه وقربها من فمه بوقار شديد، ثم طبع قبلة طويلة وحانية على ظهر يدها وعيناه لا تفارقان عينيها.
في تلك اللحظة توقف الزمن بالنسبة لنادين شعرت بلمسة شفتيه كأنها ختم أمان أبدي على روحها، لم تكن قبلة عابرة بل كانت اعترافاً صامتاً بأنه يرى فيها "سكنه" و"سكنى روحه".
قال تميم بصوت هامس وهو لا يزال يمسك يدها بقرب وجهه
_إنتي مش بس چيتي السرايا دي يا نادين إنتي غيرتيها وغيرتيني معاكي، مكنتش أعرف إن فيه حد ممكن يجمع بين الرقة والحكمة دي كلها.
نظرت نادين إليه ولأول مرة رأت في عينيه انعكاس حبها هي، رأت الصقر الذي روضه العشق ورأى هو فيها الأنثى التي صقلتها النيران لتخرج ذهباً خالصاً، لم تكن الكلمات ضرورية ففي تلك المساحة الضيقة بينهما كانت القلوب تتحدث بلغة لم تعرفها نادين في الغرب، ولم يختبرها تميم في كبريائه الصعيدي من قبل.
أدركت نادين في تلك اللحظة أنها لم تعد تحبه فقط لأنها وجدت معه الأمان، بل لأنها وجدت معه "نفسها" وأدرك تميم أن هذه "الغريبة" أصبحت هي "الوطن" الذي لن يسمح لأي قوة في الأرض أن تنتزعه منه.
❈-❈-❈
طرقت تاليا الباب بيد ترتجف ودخلت لتجد والدها جالساً خلف مكتبه العريض يراجع أوراقاً قديمة
بمجرد أن وقعت عيناه عليها ترك القلم من يده وأرجع ظهره للخلف وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ أمد بعيد
ساد صمت ثقيل زاد من رعب تاليا قبل أن يتنهد جاسر بعمق ويقول بنبرة رخيمة
_اقعدي يا تاليا.
جلست تاليا على طرف الكرسي وأنفاسها تكاد تتوقف من شدة الخوف، نظر إليها جاسر بنظراته الثاقبة التي تخترق الروح وقال بهدوء مخيف
_اتكلمي متخافيش أنا سامعك.
بعد تردد طويل وصراع مع الكلمات بدأت تاليا تحكي كل شيء عن لقائها بريان وعن جرحه وعن مساعدتها له في الخفاء كانت تتحدث وصوتها يتهدج بينما كان جاسر يستمع بصمت مطبق وملامح جامدة كالصخر، مما جعل تاليا تشعر بأن الأرض تميد بها
ختمت كلامها بنبرة استعطاف
_والله يا بابا أنا اتصرفت بمهنتي كدكتورة ولما لقيتهم ناس كويسين ومعملوش حاجة تأذيني سكت مكنتش عايزة أقلقك.
قام جاسر من خلف مكتبه ببطء وخطواته الرزينة تدق في أرجاء الغرفة ثم سحب كرسياً وجلس قبالتها مباشرة
تنفس الصعداء وقال بصوت يمزج بين القوة والعتاب
_كنت عارف يا تاليا عارف من أول لحظة وكنت مستنيكي تيجي وتعترفي بنفسك، لأن بنتي اللي ربيتها على الأصول والصدق مستحيل تخبي حاجة زي دي العمر كله.
اتسعت عينا تاليا بذهول فأكمل جاسر بصرامة
_أنا مش أب بالكلمة وخلاص يا بنتي كل خطوة بتخطيها إنتي أو إخواتك ببقى عارفها وحاسس بيها
وعقاب الفعلة دي ليهم وليكي جاي بس مش وقته دلوقت البيت فيه فرح ومش عايز أكسر بخاطر حد.
رغم حنان جاسر المعهود مع بناته إلا أن تاليا أدركت أن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها
شعرت بضالة حجمها أمام حكمة والدها وقوته وقالت بصدق وندم
_أنا آسفة بجد آسفة وده مش هيتكرر تاني أبداً، أنا بس خفت من رد فعلك.
وضع جاسر يده على كتفها وفي تلك اللحظة اختفت القوة وحل محلها حنان الأب الذي يخشى على ابنته من غدر الزمان
_الخوف يا تاليا بيخلينا نغلط أكتر الصدق هو اللي بيحمينا الغريب ديما بيبقى وراه سر كبير، وسره ده ممكن يحرق الكل لو درينا عليها
اطلعي دلوقتي وخليكي قريبة من نادين وحنين والمرة الجاية مفيش أسرار بيني وبينك.
خرجت تاليا من المكتب وهي تشعر بأن جبلاً قد انزاح عن صدرها لكن كلمات والدها عن ريان ظلت ترن في أذنيها كجرس إنذار، مدركة أن المواجهة الكبرى لم تبدأ بعد.
❈-❈-❈
في حديقة المنزل
جلس يامن وحنين يتحدثان عن المشفى ثم ساد صمت قبل أن تقطعه حنين بنبرة هادئة يملؤها التساؤل والوضوح
_ يامن في سؤال بيدور جوايا وانا اتعودت ان اصارح اللي قدام باللي جوايا.
لم تعرف كيف تخبره بما يجول بخلدها
_ سؤالي ليك بصراحة ليه اخترتني أنا بالذات؟
أقصد يعني الفوارق الاجتماعية والمستوى اللي عيلتكم فيه ممكن يخلي أي حد في مكانك يفكر ألف مرة قبل ما يختار بنت من وسط بسيط زيي.
ابتسم يامن ابتسامة صافية ونظر إليها بنظرة تقدير واحترام وقال بصوت يملؤه اليقين
_ حنين المستوى الاجتماعي ده قشرة خارجية، والناس اللي بتشوف القشرة بس هما اللي نظرهم ضعيف أنا أول ما شوفتك كانت نظرتي ليكي نظرة إعجاب بذكائك كدكتورة، بس اللي خلاني أختارك بجد هو اللي شوفته بعد كدة شوفت فيكي قوة وكبرياء مبيجتمعوش إلا في النفوس الكبيرة.
اعتدل يامن في جلسته وتابع بنبرة أكثر عمقاً
_لما عرفت إنك ضحيتي بمستقبلك وبراحتك عشان تساعدي إنسان متعرفيهوش، لمجرد إنه محتاج مساعدتك الطبية عرفت وقتها إنك إنسانة نادرة
إنتي معندكيش فكرة إن كبريائك ده وعزة نفسك اللي بتظهر في كل كلمة، هما اللي خلوني أحس إنك أنسب واحدة تكون شريكة حياتي وتملى البيت ده بالقيم اللي تربينا عليها.
صمتت حنين وهي تشعر بكلماته تلامس روحها فأكمل يامن بصدق
_ الفوارق الاجتماعية بتدوب قدام المواقف الحقيقية يا حنين إنتي النهاردة بقيتي جزء من عيلة الجارحي مش عشان مستواكي المادي، لكن عشان مستواكي الإنساني اللي أعلى بكتير من أي فلوس أو جاه
أنا اللي محتاج لوجودك جانبي عشان توازني حياتي بطيبتك وقوتك دي.
لمعت عينا حنين ببريق الامتنان وشعرت بأن يامن لم يخترها فقط لجمالها أو علمها، بل قرأ في أعماقها ما لم يقرأه أحد من قبل
قالت بصوت خفيض يملؤه الثقة
_ كلامك ده يا يامن بيخليني أحس إني فعلاً في المكان الصح ومع الشخص اللي بيقدر قيمة الإنسان بجد.
ابتسم يامن بحب وكأنه يبرم عهداً أبدياً بأن تظل قيم الروح هي الحاكم الوحيد لعلاقتهما بعيداً عن صخب المظاهر وزيف الفوارق.
❈-❈-❈
كان تميم يجلس بجوار نادين ممسكاً بالدفتر الذي خطت فيه أولى كلماتها العربية بيدها المرتجفة كانت تراقبه بابتسامة باهتة، ابتسامة تحمل في طياتها انكسار سنوات الغربة ودهشة الحاضر الجميل، نظر إليها تميم بعينين يملؤهما الفخر وقال بنبرة مشجعة
_ طالما عرفتي الحروف ورسمتيها بالشكل ده، يبقى خلاص يا نادين الطريق بقى سهل وهتتعلمي القراءة والكتابة أسرع مما تتخيلي.
تنهدت نادين بعمق وقالت بصوتها الرقيق المصبوغ بنبرة الحزن
_ وكيف لي ذلك وأنت ستعود لعملك غداً؟ من سيمسك بيدي ويرشدني في هذا البحر من الكلمات؟
ابتسم تميم بحنان وأغلق الدفتر ببطء وهو يقترب منها أكثر
_ الشغل مش هياخدني منك يا نادين، يعني مش هفضل هناك طول اليوم وهحاول أرجع بدري كل يوم عشانك وعشان نكمل اللي بدأناه إنتي بقيتي الأولوية في حياتي دلوقت.
نظرت إليه بامتنان لكن عينيها كانتا تخفيان حيرة وقلقاً دفيناً هل هذه السكينة حقيقية؟
أم أنها مجرد الهدوء الذي يسبق العاصفة؟
لاحظ تميم هذا التردد في نظراتها، فأراد أن يبدد مخاوفها للأبد
وضع يده الدافئة على خدها ورفع وجهها إليه ليلتقي بريق عينيه بعينيها التائهتين وقال بهمس يذيب الصخر
_ متخافيش يا نادين إنتي بقيتي شيء أساسي في حياتي جزء من روحي اللي مكنتش لاقيه وعمري ما هسمح للدموع تعرف طريق عيونك من تاني ربنا بعتك هنا عشان أكون ليكي الأمان والسند.
في تلك اللحظة ساد صمت مطبق في الغرفة، ولم يعد يسمع سوى دقات قلبيهما المتسارعة، بدأت المسافات تذوب بينهما وأنفاس تميم الدافئة تلامس وجهها بينما كانت نادين تشعر بضعف لذيذ يسري في جسدها
اقترب تميم أكثر وعيناه تخبرانها بكل ما عجز لسانه عن قوله، حتى كادت شفتيه تلامسان شفتيها في قبلة طال انتظارها.
لكن وفي اللحظة الحاسمة انتفضت نادين فجأة وكأن تياراً كهربائياً أصابها
تراجعت للخلف بسرعة وقامت من مكانها وهي تتلعثم بكلمات غير مفهومة
_ أنا أنا يجب أن أدخل الحمام سأعود حالاً.
هرعت نحو الحمام وأغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها إليه وهي تتنفس بصعوبة ويدها موضوعة على قلبها الذي كان يدق بعنف كطبل حرب
نظرت لنفسها في المرآة ووجهها يشتعل حمرة واستغربت من مشاعرها المتضاربة كانت خائفة، لكنها في أعماقها كانت تتوق لتلك اللحظة كانت تريد أن تذوب في حضنه وتنسى العالم، لكن شيئاً ما في داخلها بقايا من جروح الماضي، جعلها تهرب في اللحظة الأخيرة.
أما تميم فقد ظل جالساً مكانه ينظر إلى الباب المغلق بابتسامة هادئة تحمل مزيجاً من الصبر والعشق
لم يغضب بل أدرك أن نادين تحتاج للوقت لتثق في مشاعرها كما وثقت في أمانه وأن الطريق إلى قلبها يحتاج لنفس الصبر الذي يحتاجه تعليمها حروف لغتها الأم.
……..
اجتمعت العائلة في البهو الواسع حيث يتوسطهم الحاج جاسر بوقاره المعهود كذلك نغم بابتسامتها التي تفيض حناناً
كان الحديث يدور حول ترتيبات "كتب الكتاب" المنتظر وسأل جاسر حنين بصوت أبوي
_ يا بنتي إحنا عايزين نرتب لموضوع الوكيل في كتب الكتاب تحبي مين يكون وكيلك؟ إحنا كلنا أهلك بس الأصول بتقول إننا نسألك الأول.
نظرت حنين إلى والدتها وردت هي قائلة
_ هقول لخالها هو في اسكندرية واطلب منه يكون وكيلها.
أومأ جاسر بالموافقة وهنا تدخلت نغم بنبرة يملؤها الحماس والحب
_ طيب يا جماعة عندي اقتراح.. بما إننا معملناش فرح لتميم ونادين بسبب الظروف اللي حصلت إيه رأيكم لو نعمل فرح واحد كبير للاتنين؟ تميم ونادين، ويامن وحنين.. الفرحة تبقى فرحتين والبيت كله يتملي بهجة.
تهللت أسارير يامن وقال بتأكيد وهو ينظر لحنين بخجل
_ يا ريت يا أمي.. ده هيكون أجمل يوم في حياتنا كلنا، والناس كلها لازم تعرف إن عيلة التهامي بتفرح بولادها.
التفت تميم لنادين ولمس يدها برفق تحت الطاولة وسألها بهدوء
_ إيه رأيك يا نادين؟ تحبي نعمل فرح كبير ونحتفل بيكي وسطنا؟
رغم السعادة التي بدأت تتسلل لقلب نادين، إلا أن الخوف القديم من "العين" ومن زوال النعم ظل يراودها كطيف عابر
نظرت في عيني تميم اللتين تفيضان بالحب وقالت بصوت خفيض
_ لا أمانع ذلك كما تريد أنت يا تميم، ما يسعدك يسعدني بالتأكيد.
ساد جو من الألفة والترابط لم تشهده العائلة من قبل نغم تحتضن حنين وتهمس لها بكلمات ترحيب، وتاليا تمازح نادين وتخبرها عن فساتين الزفاف بينما يتبادل تميم ويامن نظرات الأخوة الصادقة
في تلك اللحظة أدركت نادين أن "العائلة" ليست مجرد صلة دم بل هي ذلك الحصن المنيع الذي يحميك من غدر الزمان، وأنها أخيراً وبعد رحلة تيه طويلة، قد رست سفينتها في الميناء الصحيح.
❈-❈-❈
كان ريان يقف وحيداً وسط شواهد القبور الصامتة والضباب يلف المكان ككفن بارد كان ينظر إلى قبر محدد وعيناه تفيضان بحزن عتيق حزن لا تداويه السنين، فجأة شعر ببرودة غريبة تسري في المكان وبوقع خطوات هادئة خلفه التفت ببطء، لتتسع عيناه بذهول لم يعهده من قبل.
تمتم بصوت مخنوق بالدموع
_ أبويا؟
كان الرجل يقف أمامه بملامحه الوقورة التي حفرها الزمن لكن وجهه كان يشع بنور شاحب وحزين اقترب منه الأب ووضع يده على كتف ريان ونظر في عينيه بنظرة عتاب أبوي تذيب الصخر
_ برضه مشيت في نفس الطريق يا ريان؟ برضه اخترت الوجع والنار؟
انهمرت الدموع من عيني ريان وقال بصوت يملؤه القهر والحنين
_ لاني مش قادر أعيش يا أبويا مش قادر أغمض عيني وأنام واللي ظلمك وكسرنا لسه عايش وبيتنفس الهوا، الدم اللي سال مش هيبرد غير بالانتقام.
هز الأب رأسه بأسى وقال بنبرة تحذيرية هادئة
_ بلاش تظلم يا ابني الظلم ظلمات يوم القيامة، واللي بيمشي في طريق التار بيحفر قبرين واحد لعدوه والتاني لنفسه أنا عايزك تعيش، مش عايزك تتحرق في نار ماليش يد فيها.
أمسك ريان يد والده بقوة وكأنه يخشى أن يتلاشى
_ حاولت كتير يا أبويا حاولت أنسى وأبدأ من جديد بس كل ما أبص في المرايا بشوف جرحك في وشي وبسمع صرختك في ودني.. مش قادر الانتقام بقى هو النفس اللي بتنفسه.
نظر إليه الأب بنظرة أخيرة يملؤها الشفقة، وبدأ يتلاشى تدريجياً وسط الضباب وهو يهمس بكلمات تلاشت مع الريح
_يا ابني.. النور مبيجيش من الضلمة ارجع قبل ما الوقت يفوت.
انتفض ريان في فراشه وهو يصرخ بصوت مكتوم والعرق يتصبب من جبينه بغزارة
نظر حوله في الغرفة المظلمة، وأدرك أنه كان مجرد حلم لكنه حلم أعاد فتح كل جروحه القديمة
وضع رأسه بين يديه وهو يرتجف وشعر بأن صراعاً طاحناً يدور في أعماقه بين وصية والده بالسلام وبين نداء الدم الذي يطالبه بالثأر.
كانت ملامحه في تلك اللحظة تجسد الدمار النفسي في أبهى صوره إنسان يحمل جبالاً من الحزن ويقود حرباً خاسرة ضد أشباح ماضيه مدركاً أن الطريق الذي اختاره قد لا يكون فيه عودة.
❈-❈-❈
كان ريان لا يزال جالساً على طرف فراشه، وأنفاسه متهدجة وأثر الكابوس لا يزال عالقاً في عينيه المجهدتين
وضع رأسه بين كفيه محاولاً طرد صورة والده وصوته الذي كان يتردد في أذنيه كالنذير
فجأة قطع سكون الغرفة رنين هاتفه الملح نظر إلى الشاشة ليجد اسم "الحاج رضوان".
أخذ نفساً عميقاً ليضبط نبرة صوته وأجاب
_ أيوه يا حاج رضوان صباح الخير.
جاء صوت رضوان من الطرف الآخر بنبرة يملؤها الاستعجال والقلق
_ صباح النور يا ابني اتأخرت ليه؟ النجع كله صحي وإنت لسه مظهرتش.
مسح ريان وجهه بيده وقال بصوت أجش
_ معلش يا حاج اتأخرت في النوم شوية ليلة كانت صعبة هاخد دش سريع وأكون عندك على طول.
رد رضوان بنبرة حازمة
_ بلاش تتأخر يا ريان جاسر التهامي جاي دلوقت هو وابنه تميم عشان عايزين يشوفوا الترتيبات في الأرض اللي إنت مشرف عليها مش عايزين أي تقصير قدامهم.
تجمدت ملامح ريان فور سماع اسم "جاسر" وشعر ببرودة تسري في أطرافه لكنه سرعان ما استعاد قناعه الصلب وقال بنبرة غامضة
_ جاي حالا يا حاج متقلقش كل حاجة هتكون جاهزة واللقاء ده أنا مستنيه من زمان.
أغلق ريان الهاتف ونظر إلى المرآة ببرود مخيف تلاشت آثار الحزن والحنين التي ظهرت في الحلم وحل محلها جمود قاتل
قام من مكانه بخطوات ثابتة نحو الحمام
كانت دقات قلبه تتسارع ليس خوفاً بل ترقباً للحظة التي سيقف فيها أمام الرجل الذي يراه سبباً في كل دمار حياته.
……….
وقف تميم أمام المرآة ينسق هندامه استعداداً للخروج إلى عمله في النجع، بينما كانت نادين تجلس على طرف الفراش، تراقبه بصمت يلفه حزن هادئ ورقيق يشبه ملامحها
لاحظ تميم انعكاس وجهها في المرآة فالتفت إليها بابتسامة حانية واقترب منها
_ مالك يا نادين؟ زعلانة ليه من أول الصبح؟
نظرت إليه بعينين تلمعان ببريق القلق
وأجابت بصوتها العذب المصبوغ بالفصحى
_ أشعر بضيق لأنك ستتركني وتذهب لعملك لا أريد أن أبقى وحيدة هنا بعد أن اعتدت وجودك بجانبي.
ضحك تميم بخفة محاولاً تلطيف الأجواء وقال بمزاح
_ يا حبيبتي ده شغل وبعدين إنتي محسساني ليه إني رايح أموت؟ أنا كام ساعة وراجع ليكي تاني.
فجأة اتسعت عينا نادين برعب حقيقي وشحب وجهها كأنها رأت شبحاً وقاطعته بنبرة حادة يملؤها الرفض
_ لا… لا تقل مثل هذه الكلمة أبداً لن أتحمل فراقاً آخر يا تميم، ما زلت لم أتعافى من موت آدم ولا أريد أن أختبر هذا الوجع مرة ثانية.
تجمدت الابتسامة على وجه تميم وشعر بوخزة غيرة حادة طعنت كبرياءه للمرة الثانية، اسم "آدم" الذي يتردد دائماً كحاجز بينهما خرج الآن في لحظة خوفها الصادق تراجع خطوة للخلف، ونظر إليها بنظرة عميقة تملؤها الحيرة والغيرة المكتومة
_ نادين ممكن أعرف علاقتك بآدم كانت عبارة عن إيه بالظبط؟ يعني كانت علاقة محبين ولا مجرد علاقة أخوية؟
عادت الرعشة ليدي نادين وأطرقت برأسها وهي تسترجع شريط ذكريات مؤلم
بدأت تتحدث عن آدم بنبرة يملؤها الشجن
_ آدم كان لي كل شيء.. كان الأب الذي فقدته والأم التي لم أشبع من حنانها والأخ الذي يحميني والصديق الذي يسمعني لن استطيع أن أحدد ماذا كان بالنسبة لي لأنه كان حاضراً في كل الأدوار، يسد كل الثغرات التي تركها الزمن في روحي.
زادت غيرة تميم واشتعلت نيرانها في صدره فصعب عليه أن يتحمل كل هذا المديح والتعلق بشخص غيره، حتى لو كان ميتاً قال بنبرة جافة محاولاً إخفاء ضيقه
_ برضه مسمعتش الإجابة اللي عايزها يا نادين.. كان حبيبك؟
فهمت نادين مقصده من نبرة صوته، فرفعت عينيها إليه وقالت بصدق تام وهي تحاول تقليد لهجته والتعود عليها
_ علاقتنا كانت أخوة مش أكتر يا تميم.. آدم كان طوق نجاتي في بحر الغربة، لكن قلبي لم يدق لرجل...
اهتزت نظراتها ولم تستطع تكملة ما كاد قلبها ان يبوح به
ارتسمت على وجه تميم ابتسامة وقورة، ابتسامة رجل انتصر في معركة خفية واستعاد ثقته في مكانته بقلب زوجته، اقترب منها وقبل رأسها بوقار
_ طمنتي قلبي يا نادين.. ارتاحي دلوقت وأنا مش هغيب عليكي.
تركها تميم وخرج بينما ظلت نادين تراقبه حتى اختفى طيفه وهي تشعر بأنها بدأت تتنفس الصعداء وأن "آدم" سيظل ذكرى جميلة لكن "تميم" هو الحاضر والمستقبل الذي تريد أن تحيا لأجله.
❈-❈-❈
كان ريان يقف بعيداً قليلاً يراقب وصول جاسر التهامي وتميم بهدوء حذر وعيناه تلاحقان كل حركة يقومان بها
فجأة ارتفع صراخ عمال في الجهة المقابلة وبدا أن مشاجرة عنيفة قد نشبت بين اثنين منهم
توقف جاسر عن السير والتفت نحو رئيس العمال بنظرة حازمة وسأله بصوته الرخيم
_ في إيه؟ إيه الدوشة اللي هناك دي؟
ارتبك رئيس العمال وحاول مداراة الأمر بسرعة
_ متشغلش بالك يا جاسر بيه دول شوية عمال بيتدلعوا وأنا هعرف أسكتهم وأرجعهم لشغلهم فوراً.
عقد جاسر حاجبيه باستنكار وقال بنبرة لا تقبل الجدل
_ مشغلش بالي إزاي؟ دول ناس شغالين في أرضي وتحت مسؤوليتي خليهم يجوا هنا دلوقت عايز أشوف إيه الحكاية بالظبط.
حاول رئيس العمال الاعتراض بلهجة متلعثمة
_ يا بيه دول مجرد عمال سيبك منهم أنا هتصرف..
قاطعه تميم بنبرة حادة وانفعال واضح وهو يرى ارتباك الرجل
_ اسمع الكلام من سكات والدي لما يقول كلمة تتنفذ فوراً هات العمال هنا.
شاور رئيس العمال للرجلين اللذين كانا يقفان بعيداً بعد أن فض الناس الاشتباك بينهما اقترب أحدهما وكان يبدو عليه الاستنكار والغضب المكتوم نظر إليه جاسر بوقار وسأله بهدوء
_ في إيه يا ابني؟ إيه اللي وصلكم للخناق والزعيق ده في وقت الشغل؟
أخذ العامل نفساً عميقاً وقال بمرارة
_ يا حاج جاسر أنا كنت عايز أتكلم معاك من زمان بس مكنتش عارف أوصلك الأجرة اللي بناخدها دي مترضيش ربنا، ولا تعبنا وشقانا في الشمس دي طول النهار، إحنا بنموت من التعب وفي الآخر بناخد ملاليم.
اندهش تميم وسأله بذهول
_ إزاي الكلام ده؟ أنا بنفسي بلغت رئيس العمال يديكم اللي يرضيكم وإنتو اللي حددتوا السعر اللي يناسبكم في البداية.
نظر العامل لرئيس العمال الذي كان يتصبب عرقاً وقال بصدق
_ محصلش يا بشمهندس هو اللي حدد لنا السعر ده ولما رفضنا وقالنا إنه قليل قال اللي مش عاجبه يمشي والباب يفوت جمل ولولا الحوجة والعيال اللي ورانا مكنش رضينا بالظلم ده.
ساد صمت ثقيل والتفت جاسر نحو رئيس العمال بنظرة جعلت الرجل يرتجف في مكانه لم يصرخ جاسر، بل قال بصوت هادئ يقطر قوة
_ الظلم ملوش مكان في أرضي يا حسن، اللي عملته ده خيانة للأمانة قبل ما يكون سرقة لتعرق الغلابة.
ثم التفت للعمال وقال بصوت جهوري سمعه الجميع
_ من النهاردة أجرتكم هتتضاعف وكل جنيه نقص منكم في الفترة اللي فاتت هيرجع لكم بزيادة والباشمهندس تميم هيشرف بنفسه على تسليم الأجور من غير وسيط.
كان ريان يراقب المشهد بذهول تام؛ لم يكن يتوقع أن يرى هذا الجانب الإنساني والبطولي في الرجل الذي جاء لينتقم منه، شعر بتخبط غريب في مشاعره؛ هل هذا هو "الظالم" الذي دمر حياته؟ أم أن هناك حقيقة أخرى غائبة عنه؟ ملامح جاسر الوقورة وهو ينصف المظلومين هزت ثوابت ريان، وجعلته يتساءل لأول مرة: هل أخطأ في توجيه نبال انتقامه؟
❈-❈-❈
وسط صخب المسافرين وضجيج الحقائب خرج رجل في الثلاثينيات من عمره
كانت خطواته واثقة وسريعة يحمل حقيبة يد واحدة وكأنه جاء في مهمة محددة لا تحتمل التأخير توقف أمام بوابة الخروج
ثم أشار بيده لإحدى سيارات الأجرة التي كانت تصطف بانتظام اقترب السائق منه بابتسامة ترحيبية وفتح له باب السيارة الخلفي ركب الشاب بصمت وأخرج من جيب معطفه ورقة مطوية بعناية مدها للسائق دون أن ينطق بكلمة واحدة.
نظر السائق إلى الورقة التي كتب عليها عنوان فندق في قلب القاهرة، ثم التفت إليه بابتسامة عريضة
_ نورت مصر يا بيه حمد لله على السلامة.
لم يرد الشاب بل اكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه ثم أسند ظهره للكرسي وأغمض عينيه، وكأنه يحاول استجماع شتات أفكاره كانت ملامحه حادة وتحمل مزيجاً من الإرهاق والصرامة وفي يده الأخرى كان يمسك بهاتفه المحمول الذي أضاء فجأة برسالة نصية
"لقد وصلت.. سأبدأ البحث غداً".
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
اضغط زر "حفظ" بنهاية الفصل لتحتفظ بهذه الرواية في مكتبتك المفضلة وتقرأها وقتما تحب
